“لحظة تاريخية” في المملكة المغربية .. إصلاح قانون الإسرة “لن يكون سهلا” وهو بمثابة الشجرة التي تخفي غابة كثيفة.
بقلم / النصري أميمة
بعد المناهضة الشديدة من قبل نسبة مهمة من المغاربة لمشروع ” الخطة الوطنية لإدماح المرأة في التنمية ” الذي كان قد أقره وزير التنمية الاجتماعية الاسبق محمد سعيد السعدي في عهد حكومة عبد الرحمن اليوسفي..
هذا الخلاف والتباين بين الفاعلين السياسيين والمدنيين في المجتمع المغربي تطلب، أنذاك، تدخل ملكي بهدف التحكيم والتوافق بين الاطراف المتصارعة على أساس قاعدة تحديث الأصالة وتأصيل الحداثة ، وهو الأمر الذي تضمنه الخطاب التاريخي للعاهل المغربي محمد السادس في خطاب افتتاح الدورة الأولى من السنة الثانية للولاية التشريعية السابعة بتاريخ 10 أكتوبر 2003.
نقتبس بعض الفقرات من ذات الخطاب :
“..وبهذه المناسبة نود ان ننوه بجهود رئيسها وأعضائها معتبرين ان ما عرفته هذه اللجنة أحيانا من تباين في بعض القضايا انما هو من قبيل كون اختلاف العلماء رحمة.
” لقد توخينا في توجيهاتنا السامية لهذه اللجنة وفي إبداء نظرنا في مشروع مدونة الأسرة اعتماد الإصلاحات الجوهرية التالية..
– أولا.. تبني صياغة حديثة بدل المفاهيم التي تمس بكرامة وانسانية المرأة. وجعل مسؤولية الأسرة تحت رعاية الزوجين. وذلك باعتبار “النساء شقائق للرجال في الأحكام” مصداقا لقول جدي المصطفى عليه السلام.. وكما يروى.. “لايكرمهن إلا كريم ولايهينهن إلا لئيم “.
– ثانيا.. جعل الولاية حقا للمرأة الرشيدة تمارسه حسب اختيارها ومصلحتها اعتمادا على أحد تفاسير الآية الكريمة القاضية بعدم إجبار المرأة على الزواج بغير من ارتضته بالمعروف..”ولا تعضلوهن ان ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف”. وللمرأة بمحض إرادتها ان تفوض ذلك لأبيها أو لأحد أقاربها.
– ثالثا.. مساواة المرأة بالرجل بالنسبة لسن الزواج بتوحيده في ثمان عشرة سنة عملا ببعض أحكام المذهب المالكي مع تخويل القاضي إمكانية تخفيضه في الحالات المبررة وكذلك مساواة البنت والولد المحضونين في بلوغ سن الخامسة عشرة لاختيار الحاضن..”. انتهى الاقتباس من خطاب 10 أكتوبر 2003.
يذكر ان التدخل الملكي انذاك أفضى إلى إنتاج مدونة الأسرة السارية المفعول من 2004 التي حلت محل مدونة الأحوال الشخصية إلى حدود الآن…
غير ان مطالب بعض التيارات المحسوبة على الحركة الحقوقية وتحديدا المحسوبة على “حركات نسوية” ، لازالت متزايدة ومستمرة، والتي يتم التعبير عنها من حين لآخر بأشكال مختلفة مدعومة من جهات خارجية نذكر منها على سبيل الذكر لا الحصر : مطلب الحريات الفردية ، مطلب العلاقات الرضائية ، مطلب الإفطار العلني ، مطلب الإنصاف في الإرث وغيرها من المطالب ، من ضمنها مطالب متباينة وغير محسوبة على اولويات مجتمعنا في الوقت الحالي.
وردا على أصحاب هذه المطالب المغلفة بحقوق الانسان” ، أكد جلالة الملك محمد السادس في خطاب العرش لسنة 2022 بصفته أميرا للمؤمنين، بأنه لن يحلل ما حرم الله، ولن يحرم ما أحل الله، لاسيما في المسائل التي تؤطرها نصوص قرآنية قطعية، مشددا على أن رفع التحديات الداخلية والخارجية، لن يتم إلا بالجمع بين روح المبادرة ومقومات الصمود، لتوطيد الاستقرار الاجتماعي، والنهوض بوضعية المرأة والأسرة؛ وتعزيز قدرات الاقتصاد الوطني” في إطار مقاصد الشريعة الإسلامية، وخصوصيات المجتمع المغربي، مع اعتماد الاعتدال والاجتهاد المنفتح، والتشاور والحوار، وإشراك جميع المؤسسات والفعاليات المعنية مع التأكيد على إشراك جميع المغاربة، رجالا ونساء، في عملية التنمية، في كل المجالات.
واستجابة لمطالب الإصلاح المشروعة ومجابهة تحديات العولمة، دعا العاهل المغربي وزارة العدل والنيابة العامة والمجلس الأعلى للسلطة القضائية إلى إشراك جميع الهيئات الأخرى المعنية بهذا الموضوع بصفة مباشرة، وفي مقدمتها المجلس العلمي الأعلى، وهو الهيئة الرسمية المسؤولة عن إصدار الفتاوى، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، والسلطة الحكومية المكلفة بالتضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، مع الانفتاح أيضا على هيئات وفعاليات المجتمع المدني والباحثين والمختصين.
دعا العاهل المغربي وزارة العدل والنيابة العامة والمجلس الأعلى للسلطة القضائية إلى إشراك جميع الهيئات الأخرى المعنية بهذا الموضوع بصفة مباشرة، وفي مقدمتها المجلس العلمي الأعلى، وهو الهيئة الرسمية المسؤولة عن إصدار الفتاوى، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، والسلطة الحكومية المكلفة بالتضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، مع الانفتاح أيضا على هيئات وفعاليات المجتمع المدني والباحثين والمختصين
هذا وقد ، عبرت مجموعة من منظمات المجتمع المدني عن ترحيبها بهذه الخطوة التي “طال انتظارها”، داعية الى تغيير بنود المدونة بشكلها الحالي، بغية تعزيز دور المرأة داخل الأسرة ومنحها حقوقا جديدة بحد تعبيرها ، فضلا عن دعواتها لمواكبة تغيرات المجتمع وما تسميه ب”الالتزامات الدولية” التي صادقت عليها المملكة، إضافة إلى إخراج المرأة من ما تسميه ب”الوصاية والعنف الذكوري” نحو المساواة الفعلية مع الرجل.
.
ومن أبرز المطالب التي تتبناها بعض المنظمات المدعومة من الاتحاد الأوروبي ومنظمات دولية، نذكر دعوتها للتحرك من أجل تجاوز نصوص تصفها بـ”التمييزية والمكرسة للتراتبية في العلاقة بين الزوجين والحيف والعنف ضد النساء والفتيات”، مشيرة إلى أن المدونة في صيغتها الحالية، تنتهك مجموعة من الحقوق الأساسية للنساء، وتسهم في تفقيرهن، وتطالب بمراجعة عدد من المقتضيات المتعلقة بالزواج والطلاق، وتزويج الفتيات الصغيرات والطلاق والولاية الشرعية على الأبناء، وصولا إلى الحضانة المشتركة، وإثبات النسب وتعدد الزوجات والإرث بالاضافة الى مطالبتها بإلغاء جميع حالات الاستثناء التي تسمح بتزويج الطفلات، وبتعدد الزوجات”.
ذات المنظمات دعت إلى سن تشريع يتيح اعتماد الخبرة الجينية كأداة لإثباته، وحضانة الأبناء مع إعطاء الحق في الزواج للأم الحاضنة، والمساواة في الولاية القانونية على الأبناء، وإعادة النظر في النفقة في حالة حل ميثاق الزوجية، فضلا على تقسيم الممتلكات مع جعل وثيقة اقتسام الممتلكات من الوثائق الضرورية لاستكمال ملف الزواج وشرط منصوص عليه في عقد الزواج.
جزء من هذه الجمعيات التي يشتبه في ارتباطها بمنظمات أجنبية تجاوزت النصوص القرآنية والمقتضيات الدستورية لتطالب بمراجعة نظام الميراث “بما يفتح الباب أمام الاجتهاد الخلاق وينسجم مع روح الدستور ومقتضياته وخاصة حظر التمييز على أساس الجنس أو الدين في احترام تام لمبدأ المساواة بين النساء والرجال، والمساواة بين الأطفال”.
وفيما يتعلق بطبيعة الإصلاحات التي ستباشرها وزارة العدل، يوضح احد مستشاري وزير العدل عبد الوهاب رفيقي ، أن الأمر سيكون بيد اللجنة الثلاثية التي ستتكلف بتقديم توصيات الإصلاح، غير أنه يؤكد أن المهم هو بعض البنود والإشكالات المتعلقة بالولاية والحضانة وتزويج القاصرات والقضايا المتعلقة بالطلاق، ستكون أولويات.
وصلة بذات الموضوع يؤكد بعض المراقبين أن بعض المصطلحات يجب التدقيق فيها وتحديد معانيها لتفادي مطاطيتها وتأويلاتها.
مثلا ما المقصود بالحريات الفردية،؟ وما المقصود بالعلاقات الرضائية ؟ إذ أن الحقوق الفردية موجودة اصلا داخل مجتمعنا …ويمكن لكل شخص فعل ما يريد داخل جدران بيته…كما يمكن لأي شخص اختيار شكل علاقته الحميمية ويمارسها داخل جدران بيته، ولكن ان يتم إباحة الميم والألوان تحت يافطة العلاقات الرضائية ، فهذا أمر مرفوض من قبل الموحدين والايمانيين ومخالف اصلا للفطرة البشرية السليمة، ما يعني أن “الاصلاح” المراد تنزيله لن يكون سهلا..
إذن في ظل مطاطية المفاهيم من دون تحديد ماهيتها ومقاصدها التي يجب ان تكون داخل إطار مقاصد دستور 2011 والذي يجعل من المغرب دولة اسلامية،سيبقى الجدال مستمرا وربما قد يؤدي إلى انقسامات مجتمعية.
عبد الوهاب رفيقي مستشار وزير العدل يؤكد أن التعديلات المرتقبة “ستكون أكثر انسجاما مع المواثيق الإنسانية لحقوق الإنسان، وما صادق عليه المغرب من اتفاقيات..مما يثير تساؤلا عريضا : كيف سيتم التوفيق بين مواثيق. القانون الدولي ومقاصد الشريعة الاسلامية؟
مقال رائع او التحليل في المستوى بالتوفيق مزيد من النجاح والعطاء