في السلوكات المشينة والإيجابية؛ قراءات في مسارات المواطنة والتجديد التربوي

بقلم / عبد القادر رجاء 

أستاذ وباحث في قضايا التربية والتعليم

منذ الأشكال الأولى لوجودها كمفهوم، اعتبرت وتعتبر  التربية عملية مرتبطة أساسا بنقل قيم وأنماط تعامل لأشخاص عبر  ممارسات أو برامج قصد توظيفها  في وضعيات حياتية ومعيشية. ولكونها ارتبطت بمؤسسات وأنساق متعلقة  بهذه الوضعيات ؛ فإن التربية كانت دائما لصيقة بالتعلم والتعليم؛ لإن هدفها الأساس هو تلقين قيم وأنماط سلوك هدفها تمكين الفرد كإنسان من تملك ما ينقل إليه، وإعادة انتاجه بما يمكنه من الاندماج والانصهار داخل باقي الإفراد.

ولعل هذا نفس ما ذهب إليه الفيلسوف الألماني إمانويل كانط (1) في حديثه عن التربية؛ إذ اعتبر كانط أن الإنسان لا يصبح إنسانا إلا بالتربية، و هو كذلك ليس أكثر مما جعلته التربية؛ أي أن إنسانية الأنسان لا تكتسب إلا بوجود مدخلات وأنساق تربوية تنقل في سياقات محددة، سواء كانت ضمن سياق الأسرة أو المدرسة أو الحياة الاجتماعية العامة أو المجايلة والمعاشرة والأقران. كما أن الإنسان  وبلغة نفس الفيلسوف، ليس إلا نتاجا لعملية التربية، ولن يكون شيئا اخر غير ما تلقنه عن طريق عملية التربية.

وحيث أن فعل التربية لا يمكن أن يتم في معزل عن مسوغات وقوالب تسهم في تحقيق ذلك الفعل  وتتداخل ضمنه؛ فإن الإنسان سعى منذ الأزل إلى الاشتغال على التربية، وتنزيل ما يجسدها على أرض الواقع عبر برامج وأفكار ومناهج ودلائل وتنظير؛ ذلك أن الغايات الفضلى للتربية تبقى تجويد أنسانية الإنسان ووجوده ضمن أقران ومجموعات تشترك في المتعارف عليه والمألوف، على مستوى حياتها الثقافية والاجتماعية  والسياسية والاقتصادية والدينية، وتتفرق في كل دخيل منبوذ من السلوكات والممارسات والاضطرابات على مستوى الوجود والسلوك (2).

ولعل هذا يتناغم بشكل  كبير مع طرح إميل دوركايم  الذي يرى أن الأدوار الأساسية للتربية، باعتبارها سيرورة، هو ليس فقط  ضمان تطور وارتقاء الفرد، وجعله كائنا اجتماعيا، بقدر ما تسعى التربية إلى ضمان عيش واستمرار المجتمع ودوام شروط وجوده(3).

وعندما نمزج التربية بالتعليم ضمن سياقات مرتبطة بالمدرسة باعتبارها نظاما يوجد  تحت النظام الاجتماعي العام(4) ؛  فإننا نحيل بالملموس على مناهج ومعارف ومدارك تجتمع فيما بينها لكي تعطينا محصلة مهارات وكفاءات معرفية، تتحق عبر مدخل موسوم بالكفاية والتجسيد، وتحيل في السياق نفسه على محصلة اكساب واكتساب لعدد من الممارسات تشكل في ذاتها وفي تداخل وتمازج بين حدود مفاهيمها، وتجسيدات ذلك على أرض الواقع وعلى السلوك الأنساني عامة، وهي   بذلك تشكل  منظومة قيمية خالصة وخاصة.

وباعتماد هذين المدخلين، تكون للتربية والممارسات التعلمية معان وغايات، لأن الفرد لا يعيش في معزل عن الجماعة، و لا يتعلم فقط لذاته، بل على العكس من ذلك هو يتعلم لكي يعيش ضمن اخرين، ويحقق معهم المنشوذ ويتفاعل على أرض واقع اجتماعي يحكمه المتعارف عليه ويفرقه المنبوذ من الأفعال والأعمال، كما أشرنا لذلك فيما سبق من هذه المقالة. ولكون المدرسة لا توجد بعيدا عن هذا الفهم والطرح، باعتبارها مجتمعا مصغرا يعاد فيه انتاج أنماط المجتمع الكبير؛ فإن التعاطي معها من زاوية الوجود الاجتماعي والتفاعلات المادية الموجودة في الواقع الأصلي  يبقى ذا غاية فعلية ودلالية حقيقية، ضمن تعلم اجتماعي يسعى لإعداد  الطفل والمتعلم، على وجه العموم للاندماج في مجتمعه، الذي يعيش فيه بغاية أن يصطبغ فهمه وإدراكه للعالم الخارجي المحيط به، بإدراك هذا المجتمع، ويستوعب  خبراته وكفاءاته في إطار ذلك الإدراك عينه(5) .

وبناء على ما يمكن للعملية أن تحقق، إن أخدنا بعين الاعتبار الغايات منها والواقع المعاش بمختلف أيجابياته وأعطابه، على مستوى محصلة السلوك والممارسات؛ بالنظر إلى الجدار العازل الذي كان يفصل إلى حد ليس بالبعيد ما يتم تدريسه  وما يتلقاه المتعلم، وما يعيشه كواقع وإعادة انتاج لممارسات، وما يحتاجه سوق الشغل من مهارات وكفاءات ونمط في السلوك والوجود والمردود.

وحيث أن الوجود ضمن مجموعات يتيح انتاج تفاعلات والاستجابات الجديدة المبنية على التقليد المبني على مماثلة السلوك، حسب المواقف المشابهة في إطار ما يطلق  عليه بعملية التقليد والنمذجة (6) ؛ فإن السلوك المعاد انتاجه داخل جماعة معينة قد يصير مألوفا بحكم العادة لا بحكم  المنطق والمشروعية. وهنا نصبح أمام نتيحة قوة العادة والسلوك، الذي يبرر من حيث التكرار  ونفوذ تيار الجماعة، التي تكرره وتعتمده وتمارس به المشين والمجحف والظالم من الأفعال والسلوكات.

ولأن السياقات التي أصبح يعرفها العالم اليوم من تسارع في إنتاج المفاهيم والصراعات، ومن عولمة الأساليب وتسويقها على مستوى واسع بفضل وسائط رقمية ضمن ما يمكن أن يطلق عليه بالفيض الرقمي، الذي أصبحنا نستهلكه بغزارة بالغة؛ أصبحت تفرض وعيا بالمتغيرات وإكسابا للسلوكات القادرة على مواكبتها، وتذويب ثقلها وحدودها وتأثيرها على السلوك الإنساني والاجتماعي، واعتبارا لما يمكن أن يكون لمصادرنا ومعارفنا من تأثير في قراراتنا الحالية والماضية واللاحقة(7) .

ولعل هذا ما عجل بضرورة تبني مقاربات تروم الارتقاء بالعمل التربوي داخل المؤسسات التعليمية، عبر ترسيخ عدد من القيم المواطنة والإيجابية بين أوساط المتعلمين؛   من خلال برامج تنمي كفايات موازية للكفايات المعرفية التي تحتويها المناهج المعتمدة.  وبرزت في السياق نفسه مفهاهيم جديدة من قبيل المهارات الحياتية أو المرنة والمشاريع الشخصية للمتعلمين والتعلم بالنظير، ومواطن العالم والتبادل الثقافي والمدرسة المواطنة والإيكولوجية والرائدة، ومشاريع المؤسسات والتعليم الصريح والتعليم حسب المستوى الحقيقي للمتعلمين؛ وتم خلق مباريات موازية في مواضيع الترافع والخطابة والصحافة والبيئة، و ما إليها مما استجد على المجتمع والممارسات، ودخل الى الفضاءات التربوية كسياسات أو كمحصلة لتأثير وتأثر.

ويعتبر العمل على محاربة السلوكات المشينة بالأوساط التربوية، رهانا أساسيا من رهانات المدرسة المغربية خلال الاونة الأخيرة، هذا بالإضافة إلى بروز مفاهيم القيم والمواطنة والتفتح والكفايات العرضانية بشكل لافت في عدد من الوثائق المؤطرة لقطاع التربية والتكوين، كالرؤية الاستراتيجية (  (8 التي حددت زمنيا بالفترة الممتدة من    2015-2030   والقانون الإطار (9)   51.17،  وكذا عدد من المذكرات ذات الصلحة، كالمذكرة الصادرة  في شأن برنامج محاربة السلوكات المشينة بالوسط المدرسي، أو ما بات يعرف في أوساط الفاعلين التربويين ببرنامج  APT2C الذي أطلق سنة 2018، ويعتبر ثمرة شراكة مهمة بين وزارة التربية الوطنية والرابطة المحمدية للعلماء(10).

ولعل ما يعكس الحاجة إلى الاشتغال على السلوك التربوي في الأوساط المدرسية، هو وجود عدد من العوامل المتفاعلة التي أصبحت ترخي بظلالها على المدرسة عموما، وتستمد تأثيراتها بالأساس من التغيرات الكونية والقيمية، وعولمة المعرفة والتكنولوجيا كسياسات أو كمحصلة لتاثير وتأثر مما قرب العالم أكثر وقرب معه عدد من الممارسات والمفاهيم والأفعال، وجعل مساحة ومسافة التأثر بها قريبة ومقتربة، أمر يستوجب معه مواصلة العمل على تنمية السلوك المدرسي الإيجابي، ومساءلة عدد من السلوكات الممارسة داخل أوساط التربية.  ولتحقيق هذه المساءلة لابد من تبني اليات محاربة وتقويم تستمد أرضياتها من المهارات الحياتية والتدريبية  ومن اليات التنشيط التربوي والاجتماعي الهادفة، وذات التاثير المفتوح على صعيد المؤسسة التربوية ككل.

وهنا لا بد من العرض لعدد من الأفكار وأرضيات التدخل والتعاطي والفهم،  التي من شأنها توسيع رقعة العمل على تنمية الفعل المواطن، ومحاربة السلوك المشين ولفت الانتباه أليه والتخفيف من تجلياته وأضراره.

1   : الوعي بالواقع الاجتماعي للتلاميذ.

تبقى المؤسسات التربوية، بحكم وظيفتها الأساسية في خدمة وسط اجتماعي محدد وتبقى مفتوحة ومنفتحة عليه، وهذه العلاقة هي  التي تجعل من المؤسسة التربوية حاضنة للمتمدرسين من الواقع الاجتماعي المتواجدة في مجاله. ولا بد لهذه العلاقة أن توفر معطيات حول خصوصيات المجال الاجتماعي التي تتواجد فيه، من حيث تاريخ المنطقة وبيئتها ومصادر الأسر المتواجدة بالمجال المعني والواقع الاقتصادي والثقافي، والسياسات العمومية الذي تشمل المجال المذكور من بنيات تحتية وثقافية وصحية وغيرها؛ فمحاصرة السلوك غير المواطن تفرض فهم الهوية الثقافية والاقتصادية والنفسية والاجتماعية للأفراد.  كما أن ما قد يكون سلوكا مرفوضا في مجال جغرافي معين ، قد لا يكونه بالضرورة في مجالات أخرى.  والمسموح به لغويا في منطقة ما قد يكون ذا دلالة مغايرة في جهة أخرى؛ مما يحثم  وعي وفهم الدوافع الاجتماعية والنفسية والمنطلقات المؤطرة لوجود متعلم ابن وسط اجتماعي معلوم في بيئة مدرسية معروفة، وهذا قد يعفي المتدخل من استثمار كثير من الجهد في فهم السلوك والأحاطة به والتدخل من أجله، كما أن غياب هذه الرؤية  قد يكون فيه تعجيز  في أحايين كثيرة ويعيق التدخل ومعالجة السلوك وفهمه  وتعديله .

2: حس المشروع التربوي والاجتماعي لدى المؤسسة التربوية

إن ما قد يسهل الاشتغال على الفعل المشين، هو وجود مشروع تربوي لدى المؤسسة التربوية بمداخل تدبيرية وتعديلية طبعا؛ وهنا نقصد  بالتدبيري ما هو مرتبط بالروتين التربوي والمدرسي الاعتيادي، التي تشترك فيه كل المؤسسات والمدارس، أما التعديل الذي نسوقه كمفهوم  هنا، فإننا نقصد به بالأساس كل الأنشطة والعمليات  التي تصبو إلى خلق فرصة للتفكير في سلوكات أو تعديل أخرى أو تبني أخرى جديدة وتعويض المعتاد والمألوف بممارسات جديدة؛ فعلى سبيل المثال قد تعبر مجموعة من التلاميذ عن إحساس ورغبة الانتماء عبر حلاقات غير تربوية، أو عبر قص جزء من الشعر وإلصاقه على ورقة أو ضمن كتاب مذكرات أو ما شابه. غير أن توافر أفكار تربوية وسلوكات محفزة على التعبير عن الانتماء أوالمجموعة أو  عدد من الأحاسيس والرغبات في صفوف المتعلمين  عبر سلوكات منتجة ومواطنة قد يأتي بنتائج غير متوقعة.  كما قد يكون العنف أو التنمر أو أي أسلوب اخر تدميري، تجاه الاخر أو الذات منطلقا من عقدة ومركب نقص لدى شخص أو مجموعة أشخاص؛ فالتلميذ الذي يتعرض ليتم الاهتمام وغياب الأضواء قد يفضل العودة إلى الواجهة عبر أسلوب عنف أو تدمير أو ما يحوم في فلك هذه السلوكات، التي تثيرنا بفهمنا لها وبوصفها بالمنبوذة وغير المتعارف عليها.

إن المشروع التربوي والاجتماعي للمؤسسة التربوية، الذي من المفروض صياغته بتداخل جميع الأطراف من أساتذة وأطر دعم اجتماعي ونفسي وجمعية الاباء؛ أو بمساعدة من أي جهة كانت متاحة قانونيا لأدارة المؤسسة، وجب فيه الانتباه إلى ما يمكن أن ينمي السلوكات الإيجابية والمواطنة في صفوف التلاميذ، بناء على دراسة حالات وحاجة المجموعات التلاميذية المدرسية؛ لأن صياغة المشاريع التربوية او العمل داخل المؤسسة، إما بشكله الاعتيادي التدبيري أو بوجود معالم مشروع فقط يغفل العمل على السلوكات، ويزيد من خلق إشكالات أخرى على المستوى التدبيري. فقد يرخي سلوك أو مجموعة سلوكات بظلالها على عمل الإدارة  في تدبير معطى من معطيات حياة الإدارة التربوية؛ وبالتالي فمعالجة عدد من السلوكات يعود بالنفع على الحياة المدرسية والإدارية والتربوية.

إن التفكير في معالجة السلوكات المشينة لا يمكن أن يكون بدون أرضيات تستهدفه؛ ولا يمكن الاشتغال عليه مناسباتيا وبدون وجود أرضية وخطة تعي جدوى هذه العملية وأثرها على ما يمكن أن يقودنا إلى تلمس طريق الرفاه التربوي والمدرسي، بصرف النظر عن وجود إشكالات كثيرة كالاكتظاظ وضعف الموارد البشرية كما ونوعا ومن حيث التكوين الأكاديمي والإجرائي.

 

3: اليات الوساطة والتحكيم التربوي

أمسى توظيف أطر جديدة بمفاهيم ومسميات جديدة واختصاصات محددة، أمرا وإضافة مهمة  لقطاع التربية والتكوين وتجويد الحياة المدرسية، وتذويب الإشكالات المطروحة على مستوى التعلمات والتفاعلات والعلاقات ضمن الأقران وفي نسق الحياة المدرسية. ولعل القصد هنا يخص أطر الدعم الاجتماعي والتربوي والنفسي، المؤطرون بالقرار رقم   22-064 الصادر في نونبر 2022 والذين أصبح عملهم جليا للعيان.

ومن شأن هذه التخصصات، خاصة مهام الملحقين الاجتماعيين  أن يكون لها دور في تنمية اليات الوساطة على مستواها الأفقي؛ اي فيما يخص العلاقات القائمة بالمؤسسة على المستوى الصفي وعلى مستوى منظومة الحياة المدرسية وفي صيغتها العمودية؛ أي بين الاباء والأمهات او من يمثلهم بمنطق الشراكة والتداخل. يبقى فقط فتح الإطارات المذكورة على التكوين المستمر والاليات الإجرائية لتحقيق مزيد من الإنتاجية في تنزيل أفكار الوساطة والتحكيم التربوي داخل المؤسسة، واستثمار ذلك في تجويد التعلمات وتخفيف حالات التعثر الدراسي والهدر. وهنا قد يلعب  التواصل مع الاباء  أدوارا طلائعية في تطويق عدد من السلوكات التي تتكرر بحكم الانساق الاقتصادية والاجتماعية والتربوية المحيطة بالمؤسسة.

4: بنك السلوكات المواطنة

تبقى التربية بالنمذجة الية من الاليات المهمة في الأدبيات المتعلقة بالتنظير في مجال التربية والتعلم؛ لهذا فإن المؤسسات التربوية تبقى لها الإمكانية لتجميع مختلف السلوكات المواطنة  والممارسات الفضلى ضمن سبورات إعلام وتقاسم عادية أو رقمية، قصد جعها بنكا للممارسات الجيدة، وفتحعا على الجمهور الواسع للتلاميذ قصد تنمية هذه السلوكات وتشجيعها، وتقدير أصحابها والاستثمار في أعمالهم ضمن ورشات تعلم بالنظير أو مسرح أو موائد ونقاشات.

وقد يتشكل البنك المذكور من مبادرات من قبيل (  تلميذ/ة الشهر- مبادرة الأسبوع- مواطن اليوم-  نشاط الشهر-  ) وعدد من  المنطلقات كمبادرة المؤسسة المواطنة أو القسم المواطن والجناح المواطن، والمجموعة التلاميذية المواطنة  مما يمكن العمل عليه  وإذاعته واستثماره في توسيع رقعة الإيجابية والسلوكات المنتجة، وتخفيف السلوك المشين وغيرالمؤطر  تربويا واخلاقيا.

ويبقى للهندام كذلك دوره الكبير في تجسيد احترام المتعلمين للتوجيهات في هذا الباب؛ ذلك أن التصدي لعدد من أنماط اللباس والظهور بأشكال غير موفقة على هذا المستوى، يبقى قادرا على دفع  المتعلم لاكساب شخصيته المقومات والصفات المألوفة  بالنظر لجنسه سواء كان أنثى أو ذكر مع فهم تجلياتها في وسطه التربوي والاجتماعي، الشيء الذي قد يقف في وجه عدد من الأساليب المشينة كالتنمر والتهكم والتصنيفات.

 

5: الكوتشينغ والتدريب والمهارات الحياتية

أضحى الحديث عن الكوتشينغ، كاليات وتقنيات تم توظيفها في الإدارة قبل أن تغزو عددا من القطاعات الأخرى كالتربية والأسرة و المقاولة وغيرهما حقيقة وواقعا. ولكونه يستمد أرضياته النظرية من عدد من العلوم والمعارف الإنسانية عامة؛ فالكوتشينغ يتيح الاشتغال على عدد من السلوكات والظواهر بحفز التساؤل بخصوصها واقتراح أنماط تعامل وتعديل  منتجة لها. هذا بالإضافة إلى ما اصبح يشكله التدريب على الممارسات الفضلى وعلى المهارات الحياتية التي تفرضها سياقات التسارع وسوق الشغل والأزمات المتلاحقة من تأثير وجاذبية؛ فدفع المتعلمين إلى تبني  التفكير النقدي والمساءلة الذاتية  والتواصل الفعال والعمل التشاركي والتعاطف والتحفيز والاستماع النشط وتقدير الذات، وغيرها   سيكون له من الأثر البالغ على تذويب وتخفيف السلوك المشين. وعليه فأن إدماج اليات الكوتشينغ والتدريب والمهارات الصاعدة باتت ضرورة وملحاحية في مدرسة اليوم بالمغرب.

6: التبليغ التربوي عن السلوكات المشينة

 

إن المؤسسة التربوية تحكمها أنظمة مرتبطة بما هو تشريعي، وبما تعارف عليه الناس، وتقوم كذلك على أساس رفض ما تعارف واتفق الناس على رفضه، ونبذه من سلوك وقول وترميز وإشارات؛ وهنا لابد من التعاطي مع المبلغين عن السلوكات المرفوضة سواء كانو ضحايا لها أو ملاحظين لها بما يضمن حمايتهم وتثمين فعلهم ودفعهم ليروا نتيجة يقظتهم وتدخلهم.

ومن باب ما يمكن استثماره في هذا الباب فكرة الأمن المدرسي التلاميذي ، أو استثمار كاميرات المؤسسة في تجفيف منابع السلوكات المشينة، والبيئات التي تكتر فيها وزمن انتاجها كأماكن التجمعات الزائدة، مما قد يسمح بتخفيف الإشكالات التي تطرح ويعاد إنتاجها في البيئات المذكورة.

7: سياسات الجزر والإدماج

أصبح من البديهي اليوم في بالمغرب،  القول بأن سياسات الجزر والسياسات المرتبطة بالتهديب والعقاب بسجون المملكة، باتت  تحتل واجهة النقاشات الرسمية و الحقوقية  بالنظر لكلفتها ولما أمست تسجله الديمغرافية السجنية (11) من نسب، إذ وصلت هذه الأخيرة إلى  مائة الف سجين مع نهاية سنة 2023، كما جاء في تقارير المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الادماج. هذا ومن جهتها، فلا تتجاوز الطاقة الاستيعابية للمؤسسات السجنية أكثر من 64600، رقم يبقى ذا دلالة مهمة أخدا بعين الاعتبار الساكنة السجنية التي تعرفها المملكة.

ولعل النقاشات المطروحة اليوم حول العقوبات البديلة واكتظاظ السجون والتهذيب يفرض بالموازاة تقوية برامج المواطنة والحس الانساني والاخلاقي والتدبير المشترك والتضامن، واحترام الفضاء العام والمالية والممتلكات العمومية من داخل مؤسسات الإدماج نفسها ومن داخل التربية والتكوين والتثقيف والتحسيس العام؛ إذ لا يعقل والإشكالات هاته أن تبقى المدرسة المغربية تراهن فقط على المعرفة الصرفة وتستثني الغايات الكبرى لوجودها ضمن السيرورة المجتمعية العامة، قصد التخفيف من الثقل الملقى على مؤسسات الإصلاح والتهذيب والإدماج، في إطار برامج واقعية متداخلة تبتق من داخل الفعل التربوي العام، وتساهم فيه الجمعيات المدنية برؤى إجرائية مصاحبة.

إن الكتابة في موضوع التربية عموما وفي موضوع السلوكات المشينة والمواطنة هي كتابة عن الاستمرار والامتداد والتداخل الإنساني العام؛ فلا يمكن تصور قيام أمة ونهضتها في معزل عن مداخل أخلاقية وقيمية تعزز سلوكات وأفعال وكينونة فعلها الاجتماعي العام، ووجود أفرادها ضمن هذا النسق الذي يجب أن يكون بصدق حجز الزاوية في المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي العام لبلد معين.

وتحت هذا السقف، فالمسؤولية التاريخية للمؤسسات والأفراد، هي استدامة السلوك العام  والإحساس العام،  وتقمص أنماط من المواطنة والكينونة الحقيقية  بيننا كأفراد وفي أوساطنا المؤسساتية والمدنية لما فيه ترشيد وعقلنة الوجود والاستمرار.

المراجع

1 – امانويل كانك، تاملات في التربية،2005، ترجمة وتعليق محمود بن جماعة، دار محمد علي للنشر،ص 14

2- يمكن العودة الى مفهوم الهابيتوس عند بيير بورديو او مطالعة 

  • محمد اوبلوهو، السوسيولوجيا النقدية ومفهوم الهابيتوس عند بورديو،مجلة الراقد الفكري، عدد فبراير 2022

  • جميل حمداوي، المفاهيم السوسيولوجية عند بيير بورديو، مجلة الالوكة الثقافية، عدد مارس 2015.

3- Jean-Claude FILLOUX, 1994, Durkheim et l’éducation, P, 14, Paris, Presse Universitaire de France.

4- المرجع نفسه

5- فؤاد البهي السيد،علم النفس الاجتماعي،1999 دار الفكر العربي، مصر،ص 157

6- روبرت واطسون وهنري كلاي ليندرجين،سيكولوجية الطفل والمراهق، 2004، القاهرة،ص 135

7- ابراهيم الفقي،البرمجة اللغوية العصبية، 2008 ،مصر،ص 19.

8- الرؤية الاستراتيجية هي ارضية نظرية تمت بلورتها من طرف المجلس الاعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي للفترة بين 2015-2030 بغية اعتمادها في قطاع التربية والتكوين، وهي تحتوي على اربعة فصول و23 رافعة جاءت في تحقيق مدرسة الانصاف وتكافؤ الفرص والجودة والارتقاء بالفرد والمجتمع وتدبير الريادة والتغيير.

9- القانون الإطار 51.17 تم اعتماده في التعليم بعد تجربة الميثاق الوطني والمخطط الاستعجالي، وهو يتضمن عشرة أبواب و59 مادة تتطرق لمبادئ منظومة التربية والتكوين ومكونات وهياكل منظومة  التربية والتكوين والولوج اليها، وكذا المناهج والبرامج والموارد البشرية والحكامة والتمويل.

10- المذكرة الوزارية رقم 19-139 الصادرة بتاريخ 6 دجنبر 2019 في شان مشروع تعزيز التسامح والسلوك المدني والمواطنة والوقاية من السلوكات المشينة بالوسط المدرسي APT2C

11- طالع المقال والتقرير التاليين

  • عدد السجناء يسجل رقما قياسيا جديدا بالمغرب جريدة هسبريس الالكترونية الاثنين 7 غشت 2023

  • وضعية السجون في المغرب 2016-2020 منشورات مركز دراسات حقوق الانسان والديمقراطية. مارس 2022

قد يعجبك ايضا
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق